ابن قيم الجوزية

194

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ( 90 ) [ هود : 90 ] فالاستغفار المفرد كالتوبة . بل هو التوبة بعينها . مع تضمنه طلب المغفرة من اللّه . وهو محو الذنب ، وإزالة أثره ، ووقاية شره ، لا كما ظنه بعض الناس : أنها الستر « 1 » . فإن اللّه يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له . ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه . فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم . وحقيقتها : وقاية شر الذنب . ومنه المغفر ، لما يقي الرأس من الأذى . والستر لازم لهذا المعنى . وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ، ولا القبع ونحوه مع ستره . فلا بد في لفظ « المغفر » من الوقاية . وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] فإن اللّه لا يعذب مستغفرا . وأما من أصر على الذنب ، وطلب من اللّه مغفرته . فهذا ليس باستغفار مطلق . ولهذا لا يمنع العذاب . فالاستغفار يتضمن التوبة ، والتوبة تتضمن الاستغفار . وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق . وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى . فالاستغفار : طلب وقاية شر ما مضى . والتوبة : الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله . فهاهنا ذنبان : ذنب قد مضى . فالاستغفار منه : طلب وقاية شره . وذنب يخاف وقوعه ، فالتوبة : العزم على أن لا يفعله . والرجوع إلى اللّه يتناول النوعين : رجوع إليه ليقيه شر ما مضى ، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله . وأيضا فإن المذنب بمنزلة من ركب طريقا تؤديه إلى هلاكه . ولا توصله إلى المقصود . فهو مأمور أن يوليها ظهره . ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته . والتي توصله إلى مقصوده . وفيها فلاحه . فهاهنا أمران لا بد منهما : مفارقة شيء . والرجوع إلى غيره . فخصت « التوبة » بالرجوع ، و « الاستغفار » بالمفارقة . وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين . ولهذا جاء - واللّه أعلم - الأمر بهما مرتبا بقوله اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هود : 3 ] فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل . وأيضا فالاستغفار من باب إزالة الضرر . والتوبة طلب جلب المنفعة . فالمغفرة أن يقيه شر الذنب . والتوبة : أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه . وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) الاستغفار : طلب الغفر . وهو الستر ، ستر العيوب والنقائص المهلكة الضارة وأكبر عيب الإنسان ونقصه : هو جهله وظلمه . فبخطام الجهل والظلم يجره العدو إلى ما يهلكه ويرديه ، وسترهما إنما يكون باليقظة والحرص على الانتفاع بما يؤتيه اللّه ربه من العلم والعدل والإحسان . وكلما غفل العبد عن كرامته الإنسانية ، التي نفخها اللّه فيه من روحه ، كلما أخلد إلى أرض البهيمية ، فاشتد جهله وظلمه ، وفضح نفسه . وكلما غني بإنسانيته وغذاها بالتفكر في آيات اللّه وسننه الكونية في نفسه وفي الآفاق ، وتدبر آياته العلمية المرسل بها رسله . كلما غفر اللّه له وستر من عيوبه ونقصانه . وبهذا يفهم قول اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ [ الفتح : 1 ] فإنه صلى اللّه عليه وسلم لم يأت منكرا قط ، ولا عصى ربه قط ولا فسق عن أمره . وإنما هو ستر عيوب البشرية وجبلاتها بما أوتي من العلم والهدى الذي مكن له ربه به . من التحكم في هذه الطبائع البشرية ، والإحسان بها وفيها . حتى كان الحكيم الرشيد عليه الصلاة والسلام .